اين القبطان

Listen to اين القبطان
Checking audio availability…
كنا في عمقِ البحر فترةً مِن الزمن لانعلم هل كنا ضائعين ام في نزهةً تائهين
فمن شدةِ الظلامِ صارتِ الرؤيةُ حُلماً شبهَ مستحيل. مَن ذا يقودُني؟ وأين الطاقمُ والربان؟
سرتُ أبحثُ عن الرُّبانِ أشكو له غيابَ الطاقمِ عن المقصورةِ، ما وجدتُّ أحداً. بدأ التوترُ ينتابُني؛ هل ذهبَ الرُّبانُ أم سار يبحث عن الطاقم والركاب ؟ لمّ السفينة فاضية.. !
أطمئنُ نفسي أنْ لا قلقَ ما دمتُ أسيرُ بلا انحدار.
كنتُ أتشاجرُ مع نفسي، ومن شدةِ الصراعِ خرجَ الحوارُ إلى العلن؛ الفمُ يتحركُ واللسانُ ترتفعُ وتهبط، وباتَ يُسمعُ ريقُ الفمِ يتخبطُ **وكأنَّ شخصاً قد غرق**، والجفونُ تبدي علاماتِ الغضبِ والتساؤل.. أيعقلُ أنهم ذهبوا؟ أم أنَّ السفينةَ تسري بلا رُبان؟ لا يعقلُ أن تسيرَ الفُلكُ بدونِ قائدٍ وعمَّال.
سرتُ إلى غرفةِ التحكم، وصوتٌ خافتٌ في داخلي يؤكدُ لي أنَّ المقطورة بلا سائق، وآخَرُ يوكزُني: "لا تدخلْ فيندثرَ الأمل"، وثالثٌ يطمئنُني: "المنطقُ يقولُ إنَّ السفينةَ لا تسيرُ بلا رُبان، اذهبْ ولا تخف".
ذهبتُ حتى وصلتُ إلى قُربِ الباب.. أأفتحُ أم أعودُ؟ كفى يا نفسُ إرجافاً! فدخلتُ بعد فتحِ البابِ وسلَّمتُ بصوتٍ صاخبٍ لأُشعرَ القبطانَ بغضبِ الركاب. نظرتُ إلى الشمالِ فرأيتُ البحرَ والفُلكَ يسيرُ بغيرِ اتزان، ونظرتُ إلى اليمينِ بسرعةٍ وما وجدتُّ حتى آثارَ الأكلِ والشراب، وكأنَّ المكانَ لم يسكنه إنسٌ أو جان.
أسرعتُ ودخلتُ أتحسسُ: هل من أحدٍ فوق الفراش؟ يا قبطانُ اخرجْ فالركابُ نيام! لا تخفْ، كنتُ أفزعُكَ فقط.. يا قبطان، بربكَ لا تمازحني، لا يعقلُ أن تسيرَ السفينةُ بغيرِ قبطان! مضت خمسُ دقائق، والسادسةُ تلحقُها، حتى وصلتُ إلى العشرِ والعشرين وما وجدتُّ شيئاً. بدأتُ أرى المركبَ يتجة نحو المجهول.
أمسكتُ عجلةَ القيادة، وأخبرتُ نفسي أنه يجبُ القيادةُ والتصرفُ بشجاعة. وضعتُ يدي على خشبِ القيادة والبحرُ يلطمُ الفلكَ ويضربُ الأشرعة. أحسستُ بشيءٍ غريبٍ ممزوجٍ بالحنينِ ورغبةٍ في القيادة، وأتتني رؤيةٌ أني أرتدي بزةَ القيادةِ وأني ربانٌ وعليَّ مسؤوليةُ الى يوم القيامة . قلتُ: كفى يا نفس، فأنا متطوعٌ للقيادةِ ولستُ مسؤولاً أو مكلفاً بتولي المسؤولية.
وأنا أقودُ وأحاولُ الصعودَ نحو ضوءِ النهار، رأيتُ كلاماً فوق عجلةِ السفينة وهي تدور؛ كادَ ينسخُ الروحَ بلا إضافة. رأيتُ اسمي وفوقه "الرُّبانُ والمسؤولُ عن الركابِ والسفينة". علمتُ أني مَن كنتُ أبحثُ عنه! علمتُ أنَّ الرُّبانَ لم يكن مع الطاقمِ أو مشغولاً بغيرِ السفينة.. أدركتُ أني أنا الرُّبان، وأنا مَن تركتُ السفينةَ تسري بلا قيادة.
شعرتُ بصيحةٍ في روحي، ما استطعتُ الحراكَ أو الهروب. نحنُ هنا في البحرِ منذُ سنين بلا ليلا ونهار، كلَّ يومٍ نغوصُ في الظلامِ نبحثُ عن ضوءٍ يخرجُنا من ظلماتِ البحرِ وبطشِ الاموج. انتظرنا عند النوافذِ كلَّ ليلة، تحدثنا مع الأفلاكِ الذين تاهوا معنا ألَّا نستسلم، فالنجاحُ سيكونُ مصيرَنا. كنا نواسي بعضَنا ونبثُّ روحَ الأملِ في أنفسِنا، نكملُ حديثَنا ونذهبُ لندعوَ اللهَ أن ينجيَنا من ضلالِ المسير..
كلُّ ذلك كان محضَ كلامٍ لا يُغني ولا يرشدُ للطريق. لقد كنتُ أدعو ربي كلَّ ليلةٍ قبل أن أنامَ أن يحفظَ السفينةَ ويعطيَ قائدي الصبرَ والبصيرة.. كيف مضت سنينُ العمرِ ولا أعلمُ أني قائدُ السفينة؟ كيف لم أفكر أنَّ الرحمنَ أعطاني السفينةَ وأمرني باتباعِ الخريطة؟ كنتُ أظنُّ أني راكبٌ وليس عليَّ غيرُ الدعاء.. لماذا ما علمتُ هذا؟ ومَن قال لي أن أدخلَ مقصورةَ القيادة؟ لماذا؟ لماذا؟
ثمَّ تذكرت.. أني أنا مَن دعوتُ ربي أن يُلهمَ "القائدَ" الصبرَ والبصيرة، فاستجابَ لي حينَ أوقفني أمامَ مِرآةِ الحقيقة.
Story complete!
Enjoyed this story? Sign up to like it, save it, and support the author.




Discussion