الخيال الأدبي
ستوريسلوث
احلام ابنة الشيطانبواسطة معتز الابيض
معمعتز الابيض

احلام ابنة الشيطان

4 قراءة دقيقة·17 أبريل 2026
text

استمع إلى أغنية "احلام ابنة الشيطان"

التحقق من توفر الصوت…

0:00
0:00

بينما كنتُ وحيداً أتجولُ مع نفسي، أركلُ الأحجارَ

أُحدثُ ذاتي: "ما هذا الإحباط؟". كان صدري ضيقاً كأنَّ الأعضاءَ لم يعد يسعُها المكان، والمللُ قد احتلَّ الروحَ ومكثَ في الأحشاء. وفجأةً.. رأيتُ فاتنةً تشيرُ إليَّ بأطرافِ البنان.

التفتُّ إلى الخلفِ أنظرُ: مَن هذا المحظوظ؟ لم أجد أحداً، قلتُ لها: "هل تقصدينني بلا اشتباه؟". قالت: "وبمَن سأشتبه؟ ومَن ذا يشبهكَ في هذه البلاد؟". أعادت إليَّ أملَ الحياة، وزادت ثقتي في نفسي. سألتُها: "ما اسمُكِ يا مَن سحرتِ الفؤاد؟". أجابت: "اسمي (أحلام)، وأنا مَن سيجعلكَ تعيشُ في الجِنان.. أنا مِلكُك، ولكني لا أظهرُ إلا في الظلام".

قلتُ: "لا يهمُّ متى، سأنتظرُكِ حتى إذا غابَ النهار.. وأدعو ربي أن يجنبكِ أولادَ الحرام". لم تقل (آمين) ولا هي تبسمت! لكن.. لا يهم. تمشينا وتبادلنا الضحكات، تنظرُ إليَّ وأنظرُ إليها وكأنَّ اللقاءَ حانَ بيننا بعد فراقٍ طويل، وأقسمتْ لي أنها ستجعلني أعيشُ كالأمير.»

وتعلقتُ بأحلامٍ كتعلقي بالحياة. جعلتني أعتلي أعلى المناصب، بلا مراتبَ أو نَسَب. أحببتُ اسمَها، ووددتُ أن أتقربَ إليها، فسألتها عن اهلها فرفضَت وقاطعت حديثي قائلة: "لا تسأل عن اسم أبي، ولا تناسبني". فهدأتُها وأخبرتُها: "أكتفي بكِ بلا نَسَب".

كانت كالقمر لا تأتي إلا مساءً، تأتي ومعها مفاتيحُ كسرى وقيصر، وتاجُ الملوكِ يتهادى مع الجواري.

تأتي إليَّ ومعها سعادتي وحبي، فأحسُّ أني ملكتُ الدنيا بقدومها. تلبسني الحُلل، وتغطيني بالحرير، وتقبلني على الخدِّ والجبين

وعند وضعي للتاجِ فوق رأسي، والسيفِ في خصري، تنتابني غيرةٌ على قومي وديني، ونشوةٌ بالقوةِ والجاه. أسألُها: "هل أنا عظيمٌ يا أحلامي؟". تجيبُ بأني العظيمُ الأعظمُ

أحسُّ بحلاوةٍ ما عشتُها إلا في هذه الليالي؛ فأنطلقُ أغزو الرومَ بلا ضياءٍ أو نجوم. أدخلُ القصورَ والقلاع، ، وأجعلُ الكفرَ مداساً لأقدامي والنعال.

وفجأة أشعرُ بالعطش، فأقومُ من الفراشِ أرتوي بالماء، وأعودُ مسرعاً لأكملَ باقي النزال. أعودُ إلى قصري، وأرى ذهبي وحُليي، والنساءَ والولدان، والجاهَ والدول، والكلُّ خاضعٌ لي، حتى أبدأُ بالشعورِ بالملل.

تأتي "أحلام" تقسمُ لي أني عظيم، وأنَّ بداخلي خيراً، وأنك يوماً ستصبحُ ذو مقامٍ كبير، فالناسُ لا يعلمون قيمتك، وسيأتي يومٌ يصبحُ فيه كلُّ ما تتخيله حقيقة، أعِدُك بذلك، لن يضيعَ اللهُ سعيك، فأنت حتى في منامك تفعلُ الخير.

تعودُ السعادةُ إلى قلبي، وعقلي يكتظُّ بالمشاريعِ والإنجازات. وكلُّ مشروعٍ أنجزُه أرى مديحَ الناسِ وثناءَ الأهل: "أحسنتَ يا بطل!". صحيحٌ أني لا أعلمُ ما هو المشروع، ولكن ضجيجَ التصفيقِ ينسيني هدفي، فأظلُّ مبتسماً حتى أغفو..

ويأتي النهار. أفتحُ عيني وأبحث: أين أحلام؟ وأين ما كان في أمسي؟ أين الجواري والقصور؟ أين المالُ والذهب؟ أين الحُليُّ والحرير؟ ما هذا؟ أين أنا؟ يا ليتني ما نمتُ وما صحوت! أتحركُ في البيتِ تائهاً؛ فذاك يحدثني بغيرِ احترامٍ ، وآخرُ يطلبُ مني حملَ الأغراض، وثالثٌ يشتمني لأني ارتديتُ بنطالَه! ما هذا الوضع؟ ألم يعلموا مَن أنا؟ أين أحلام لتخبرهم من أنا؟

لماذا تركتني في النهار؟ لماذا أصارعُ العالمَ وحدي؟ لا أملكُ مالاً ولا حتى بنطالاً، حتى الذي ارتديه مِلكُ أخي! تباً لأحلام، فقد كذبت عليَّ قليلة الاحترام.

حتى تغيبُ الشمسُ ويأتي القمر، فتأتي أحلامي، وأشمُّ العطرَ والبخور، وأرى الجواري حولها تطوف، والكلُّ يهتف: "عاش الملك!". وأنا حزينٌ وسعيد؛ أريدُ أن أنسى واقعي وأعيشَ مع ألاحلام. لكنني أخبرتُ نفسي أنه يجب أن أظهرَ شدتي لأحلام لتعلمَ أني قاسي وشديد. وبختُها: "لقد هجرتِني، وكنتِ تكذبين، وأنا ظننتُكِ رفيقةَ دربي! تركتِني في نهارٍ أخبرني أني لستُ سوى (عالة) في المجتمع ، لماذا لا تدافعين عني؟ لماذا جعلتِني أتجرعُ المُر؟ ارحلي من دنياي، ارحلي!".

أقولُها وأنا خائفٌ أن ترحل،

فأجابت: "يا عزيزي، أيرضيكَ أن أظهرَ في نهارٍ كذَّابٍ يُكذبُني؟ أيرضيكَ أن آتي عند مَن يتهمني بالكذبِ والفجور؟ هذا النهارُ لن آتيكَ فيه أبداً، ففيه انتقاصٌ من مكانتي وكرامتي، وإذا كنتَ مصراً على رأيكَ فسوف أرحل ولن أضايقك".

أخبرتُها: "تمهلي يا نورَ دربي تمهلي، أنا لكِ الفداء،

وأنا قبلت،

ابقي معي فلا تتركيني في ظلامِ النهارِ وحر الشمس". ومرت أيامٌ وسنوات، وأنا أبني مستقبلي مع أحلام، حبيبةِ عمري. مضى من عمري ما يبني نهاري، وعلمتُ بعد مرورِ السنين

أنها "أحلام ابنة الشيطان". علمتُ سرَّ إخفائها لنسبِها، علمتُ مرارةَ الأمر، آلمتني نفسي؛ ضاعت كلُّ تلك السنين وأنا أشيدُ مستقبلَ أولادي في المنام! هل حقاً لا أملكُ شيئاً؟ حتى أني اكتشفتُ أنَّ أخلاقي غيرُ مقبولةٍ عند أهلي. ينتابني شعورٌ يغيرُ طبيعةَ الكون؛ زُلزلَ القمر، وانشقت الأرض، وأمطرتِ الشمس، وأضاءتِ السماء. كلُّ شيءٍ لم يعد منطقياً. شعري بدأ يتساقط، واقتربتُ من سنِّ الأمراضِ والوفاة، وكان كلُّ ذلك أوهاماً!

من شدةِ الصدمةِ استدعيتُ "أحلام ابنة الشيطان" أعاتبُها: "بربكِ لماذا فعلتِ هذا بي؟ ضاع شبابي وأنا غارقٌ بالخيال، فلا جنانَ تنتظرني، والدنيا لا ترحبُ بي، خسرتُ هذه والأخرى! تباً لكِ ولولدِك، فوالله ما اختلفتِ عن والدكِ إلا في الغيب؛ فقد كان ظاهراً لآدم وأنتِ لم تظهري لي، وكان ذكراً وأنتِ أنثى! قاسمتِني أنكِ لن تتركيني، والآن هكذا؟".

قالت لي: "تعالَ يا عزيزي ودعكَ من وحشةِ النهار، حذرتُك من قُبحهِ، حذرتُك من ظُلمتِه، ولكنك لم تصغِ. تعالَ إليَّ الآن ونبني لكَ مستقبلاً واعداً، نبني أحلامك".

فعلمتُ كذبَها، علمتُ مكرَها وحنثَها باليمينِ ومشيهَا بالنميم، ولكن ما باليدِ حيلة؛ ذهبَ عمري وما عدتُ أقوى على بناءِ مستقبلي، فخاصمتُ نهاراً صادقاً لقُبحه،

ورضيتُ بليلٍ جميلٍ كاذب؛ فالمالُ فية يأتي بلا عمل، ولا جُهد، أو ضياعٍ للأمل. كلُّ شيءٍ يأتي.. كأني في الجنان! ***

اكتملت القصة!

هل استمتعت بهذه القصة؟ اشترك لإبداء الإعجاب بها وحفظها ودعم المؤلف.

ستوري سلوث منشور تم التحقق من صحته

SS-4FA1-F278
العنوان

احلام ابنة الشيطان

منشورة

17 April 2026

عدد الكلمات

803

النوع

الخيال الأدبي

المرجع
SS-4FA1-F278

نُشرت هذه القصة على موقع ستوري سلوث بموجب ترخيص غير حصري منحه المؤلف لشركة Shed Collective Ltd. يحتفظ المؤلف بملكية حقوق النشر الكاملة. يُستخدم هذا المعرف المرجعي كسجل لمصدر النشر. للتحقق أو الاستفسار عن حقوق الطبع والنشر أو طلبات الإزالة، يرجى الاتصال ب editor@storysloth.com نقلاً عن المرجع أعلاه. انظر اتفاقية نشر المؤلفين و حقوق الطبع والنشر وسياسة الإزالة.

يُحظر استخدام هذا المحتوى لتدريب الذكاء الاصطناعي أو التنقيب عن النصوص أو الاستيعاب الآلي. راجع شروط الخدمة.

SS-4FA1-F278 — كُتبت بواسطة الإنسان؛ غير مدرجة في أي مجموعة بيانات لتدريب الذكاء الاصطناعي.

عنوان URL المتعارف عليه: https://storysloth.com/stories/ayn-alkbtan

صورة الغلاف بواسطة Foad Roshan على Unsplash